موسم أمطار “جيد” مع احتمال فائض ببعض المناطق: مدير الصرف الصحي يكشف استعدادات نواكشوط وتحديات الغمر والحلول الجذرية
قال المدير العام للمكتب الوطني للصرف الصحي، محمد بيلي سيدي أحمد دي، إن موسم الخريف يُعد موسماً مباركاً، لكنه يفرض في الوقت نفسه تحدياً يستوجب الاستعداد، مشيراً إلى أن توقعات المكتب الوطني للأرصاد الجوية تفيد بوجود موسم أمطار جيد، مع احتمال تسجيل فائض في بعض مناطق الوسط، بينما من المتوقع أن تبقى مناطق أخرى قريبة من المعدل.
وأوضح مساء أمس الإثنين، خلال مقابلة له مع قناة TTV، أن السلطات اتخذت مجموعة من الإجراءات الاستباقية استعداداً لموسم الأمطار. كما أكد أن لجنة وزارية برئاسة الوزير الأول تضم مختلف القطاعات المعنية بالأمطار، وتشمل قطاعات فنية وإدارية وأمنية، وقد عقدت اجتماعات قبل بداية الموسم لمتابعة التحضيرات ووضع الخطط اللازمة.
وأضاف أن كل قطاع حدد التدخلات المنوطة به قبل موسم الأمطار. وبيّن أن قطاع المياه والصرف الصحي قام بزيارات ميدانية للمناطق والولايات المتوقع أن تشهد تساقطات مطرية، وتم تقييم مستوى الجاهزية وفق الأحواض والمناطق، بما في ذلك العصابة، گيديماغه، غورغول، وكوركول، إضافة إلى ولايات أخرى، مؤكداً أن الوضع الحالي يدعو إلى التفاؤل.
وتطرق إلى أن أبرز التحديات التي تواجه المدن خلال موسم الأمطار تنقسم إلى تحديات هيكلية وأخرى بنيوية. ووضح أن بعض المناطق أصبحت عرضة للغمر بسبب عوامل مرتبطة بفترة الجفاف التي مرت بها موريتانيا، والتي دفعت السكان إلى الاستقرار في مناطق كانت في الأصل مجارٍ طبيعية للمياه.
وأشار إلى أن السكن في بعض المناطق المنخفضة أو القريبة من مجاري المياه يؤدي خلال موسم الخريف إلى تجمع المياه وحدوث أضرار، مؤكداً أن هذه الإشكالية مطروحة في عدد من المدن، ولا سيما نواكشوط، حيث توجد أحياء تقع تحت مستوى سطح البحر.
كما اعتبر أن التوسع العمراني الكبير الذي شهدته نواكشوط خلال السنوات الماضية يمثل تحدياً إضافياً، موضحاً أن المدينة توسعت بشكل أفقي واسع نتيجة عدة عوامل، من بينها الهجرة الجماعية من المدن الداخلية خلال فترات الجفاف.
ولفت إلى أن بعض التجمعات السكنية نشأت في مناطق لم تكن مهيأة بالبنية التحتية الضرورية، مؤكداً أن الدولة تعمل على إيجاد حلول آنية ومتوسطة وطويلة المدى لمعالجة هذه الوضعية.
وأضاف أن الحكومة أعدت منذ عام 2019 دراسة فنية بهدف إيجاد حل جذري لمشكلة الصرف الصحي في موريتانيا، وخصوصاً في العاصمة نواكشوط. وأوضح أن مشروع الصرف الصحي لنواكشوط يتكون من شقين: تصريف مياه الأمطار، ومعالجة مياه الاستخدامات المنزلية.
وأوضح كذلك أن الدراسة قسمت مدينة نواكشوط إلى ثلاث مناطق تحمل الرمز A وB وC. وأشار إلى أن الأشغال انطلقت في المنطقة A التي تشمل مقاطعات تفرغ زينه، لكصر، السبخة، إضافة إلى أجزاء من تيارت والميناء.
وأكد أن المشروع يُعد حلاً شاملاً لمشكلة الصرف الصحي، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود إجراءات مرحلية تهدف إلى التقليل من آثار تجمع المياه على المواطنين إلى حين اكتمال المشروع.
وبيّن أن شبكة تصريف مياه الأمطار التي أنجزت سنة 2019 بالتعاون مع الحكومة الصينية ساهمت في تغطية حوض مائي مساحته نحو 15 كيلومتراً مربعاً، كما تم إنجاز شبكة بطول 45 كيلومتراً لتصريف مياه الأمطار.
وأوضح أن برامج التوسعة شملت عدداً من مقاطعات العاصمة، حيث تم إنجاز شبكات في تيارت، لكصر، تفرغ زينه، دار النعيم، عرفات، والميناء، مؤكداً استمرار تنفيذ مراحل أخرى تشمل مناطق مختلفة.
وأشار إلى أن المصالح المختصة تعمل على معالجة المستنقعات المائية التي أصبحت مصدراً لتجمع المياه وبؤراً محتملة للأمراض، وذلك عبر دراسات فنية تحدد طبيعة المناطق المنخفضة، إضافة إلى إنشاء محطات ضخ كبيرة لتحويل المياه من المناطق المتضررة إلى مناطق أخرى بعيدة.
وفيما يتعلق بتمويل مشاريع الصرف الصحي، أكد أن الدولة تعمل في ظل موارد محدودة، إلا أنه شدد على أن مشروع الصرف الصحي الكبير في نواكشوط يُعد من أكبر المشاريع الممولة من الخزينة العامة، حيث تبلغ كلفته حوالي 74 مليار أوقية.
وأضاف أن تنفيذ المشروع يجمع بين توفير الموارد المالية والخبرات الفنية، مشيراً إلى وجود شركات متخصصة تعمل في هذا المجال. كما أوضح أن البرنامج الاستعجالي الذي أطلقته السلطات يعتمد على تنسيق بين مختلف القطاعات، بما في ذلك قطاع الطرق والمياه والسدود والبنى التحتية.
وقال إن معالجة مشاكل الأمطار لا يمكن أن تكون مسؤولية قطاع واحد، بل تتطلب تنسيقاً بين جميع القطاعات، مؤكداً أن المشاريع تنفذ حالياً ضمن رؤية مشتركة بين مختلف الجهات.
وبخصوص المدن الأكثر عرضة لمخاطر الأمطار، أكد أن جميع المدن قد تواجه تحديات مرتبطة بمياه الأمطار، لكن بدرجات متفاوتة. وأوضح أن المدن الواقعة على ضفاف النهر تبقى من المناطق الحساسة بسبب ارتباطها بمستوى المياه.
وأضاف أن تسيير السدود أصبح أكثر تنظيماً، إلا أن مستوى النهر يبقى عنصراً طبيعياً لا يمكن التحكم فيه بشكل كامل.
وأشار كذلك إلى أن المدن الساحلية مثل نواذيبو تواجه تحديات ترتبط بمياه البحر، وهي مشكلة تعاني منها مدن ساحلية حول العالم. وبيّن أن نواكشوط تتميز بخصوصية جغرافية بسبب وجود أحياء تقع تحت مستوى سطح البحر، إضافة إلى وجود مياه جوفية تحت المدينة وبعض العوامل المتعلقة بتسربات شبكات المياه.
وأكد أن إدارة الطوارئ والاستجابة الميدانية أصبحت أكثر جاهزية بفضل تراكم التجارب، مشيراً إلى استمرار اجتماعات اللجنة الوزارية واللجنة الفنية التي تضم مختلف القطاعات المعنية بالأمطار.
وأوضح أن كل قطاع يعرف دوره؛ إذ تتدخل وزارة الصحة في الجوانب الصحية، ووزارة التجهيز في مجال الطرق، ووزارة المياه والصرف الصحي في اختصاصها، إضافة إلى قطاعات الزراعة والتنمية الحيوانية والدفاع والداخلية، ضمن تنسيق مشترك.
وختم حديثه بالتأكيد على أن أهم درس مستفاد من مواسم الأمطار السابقة يتمثل في ضرورة أن يبدأ بناء المدن من البنية التحتية الأساسية، مثل الطرق والكهرباء والصرف الصحي، وليس بإنشاء المدن أولاً ثم البحث لاحقاً عن الخدمات.
وأضاف أن الاستباق يُعد الحل الأفضل لتقليل الأضرار، مؤكداً أن معالجة المشاكل قبل وقوعها تسهم في حماية المواطنين وتحسين قدرتهم على مواجهة تحديات موسم الأمطار.




