الممارسة السياسية في موريتانيا في ظل ضياع الرؤية وخلط الإديلوجيات

* الممارسة السياسية في موريتانيا في ظل ضياع الرؤية وخلط الإديلوجيات
تعد الممارسة السياسية في موريتانيا حالة استثنائية في المشهد العربي والأفريقي، حيث تتداخل فيها البنى التقليدية مع مؤسسات الدولة الحديثة في مزيج معقد. ومع ذلك، يواجه هذا المشهد اليوم تحدياً جوهرياً يتمثل في “تيه البوصلة”؛ وهو ما يمكن وصفه بضياع الرؤية الإستراتيجية وخلط الأيديولوجيات الذي أدى إلى حالة من السيولة السياسية غير المستقرة.
•1.غياب الرؤية: السياسة كممارسة “يومية”
المشكلة الأولى التي تواجه الممارسة السياسية في موريتانيا هي غياب المشروع المجتمعي الشامل. فبدلاً من أن تكون الأحزاب والمراكز السياسية منصات لإنتاج الأفكار والحلول لمشاكل التنمية، الصحة، والتعليم، تحولت إلى:
•سياسة اللحظة: التركيز على المكاسب الانتخابية الآنية والمناصب الإدارية.
•شخصنة العمل السياسي:ارتباط الحزب أو التكتل بشخص الزعيم، بحيث يختفي الكيان السياسي بمجرد غياب الشخص أو تغير موقفه من السلطة.
•الارتهان للموسمية: ينشط العمل السياسي في فترات الانتخابات ثم يدخل في بيات شتوي طويل، مما يفقد الشارع الثقة في جدوى العمل الحزبي.
•2. خلط الأيديولوجيات: “سوبر ماركت” الشعارات
يعاني الحقل السياسي الموريتاني من ظاهرة “السيولة الأيديولوجية”. لم يعد هناك حدود واضحة بين اليمين واليسار، أو بين الإسلاميين والليبراليين والقوميين. هذا الخلط نتج عنه:
•التحالفات المتناقضة:نجد أحزاباً أقصى اليسار تتحالف مع قوى محافظة جداً دون وجود أرضية فكرية مشتركة، سوى “الموقف من السلطة”.
* •استنساخ الخطاب: تتبنى أغلب التشكيلات السياسية نفس الشعارات (الوحدة الوطنية، محاربة الفساد، العدالة الاجتماعية) دون تقديم آليات تطبيقية تفرق بين رؤية حزب وآخر.
•البرغماتية المفرطة:أصبح الانتقال من معسكر المعارضة الراديكالية إلى معسكر الموالاة المطلقة (والعكس) أمراً مألوفاً، مما جعل الأيديولوجيا مجرد “قناع” يتم تبديله حسب المصلحة السياسية.
•3.هيمنة البنى التقليدية على الفضاء الحديث
في ظل ضياع الرؤية السياسية، عادت القبيلة والجهة والشرائحية لتملأ الفراغ. بدلاً من أن يكون الحزب هو الوعاء الذي يصهر الجميع، أصبح الحزب أحياناً غطاءً لموازنات اجتماعية ضيقة:
•1.القبيلة كفاعل سياسي:لا تزال القبيلة هي الخزان الانتخابي الأكبر، وهي التي تفرض مرشحيها، مما يفرغ الديمقراطية من محتواها الفكري.
•2.تآكل النخب:النخبة المثقفة، التي كان من المفترض أن تقود عملية التنوير وتصحيح المسار، انخرطت في الغالب في لعبة “الاستقطاب” بحثاً عن التعيينات أو النفوذ.
•4. مآلات التيه السياسي
هذا الوضع ليس مجرد حالة فوضى عابرة، بل له تبعات عميقة على مستقبل الدولة:
> “عندما تغيب الرؤية وتختلط الأيديولوجيات، تصبح السياسة مجرد صراع على تقاسم الغنائم، ويفقد المواطن البسيط إيمانه بالدولة كمؤسسة خادمة للجميع.”
•عزوف الشباب:يتجه الجيل الصاعد نحو الهجرة أو الانعزال السياسي، لشعوره بأن اللعبة السياسية “مغلقة” ولا تعبر عن طموحاته.
•ضعف الرقابة: عندما لا تملك المعارضة رؤية بديلة واضحة، تضعف قدرتها على مراقبة أداء الحكومة وتقويمه بشكل بناء.
•خاتمة: نحو إعادة التأسيس
إن الخروج من مأزق “ضياع الرؤية” يتطلب ثورة فكرية داخل النخب الموريتانية، تبدأ من فك الارتباط بين العمل السياسي والمصالح الشخصية الضيقة، والعودة إلى إنتاج فكر سياسي وطني يتجاوز الشعارات المستوردة أو التقليدية. الممارسة السياسية الحقيقية ليست مجرد الوصول إلى الكرسي، بل هي القدرة على الإجابة عن سؤال: أي موريتانيا نريد في العشرية القادمة؟
بدون إجابة واضحة على هذا السؤال، ستظل السياسة في موريتانيا تدور في حلقة مفرغة من التجاذبات التي تستهلك طاقة الوطن دون أن تقدم له حلولاً حقيقية.


